الأبشيهي
875
المستطرف في كل فن مستظرف
وقال الهيثم بن علي : وجد غار في جبل لبنان زمن الوليد بن عبد الملك وفيه رجل مسجى على سرير من الذهب وعند رأسه لوح من الذهب أيضاً مكتوب فيه بالرومية : أنا سبأ بن نواس خدمت عيصو ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الرب الأكبر وعشت بعده دهراً طويلا ورأيت عجباً كثيراً ولم أر فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت وهو يرى مصارع آبائه ويقف على قبور أحبابه ويعلم أنه صائر إليهم ثم لا يتوب وقد علمت أن الأجلاف الجفاة يستنزلوني عن سريري ويتولونه وذلك حين يتغير الزمان ويكثر الهذيان ويترأس الصبيان فمن أدرك هذا الزمان عاش قليلا ومات ذليلا . وعن عمرو بن ميمون أنه قال : افتتحنا مدينة بفارس فدللنا على مغارة فيها بيت فيه سرير من الذهب عليه رجل عند رأسه لوح مكتوب فيه : أنا بهرام ملك فارس كنت أغناهم بطشا وأقساهم قلباً وأطولهم أملا وأحرصهم على الدنيا قد ملكت البلاد وقتلت الملوك وهزمت الجيوش وأذللت الجبابرة وجمعت من الأموال ما لم يجمعه أحد قبلي ولم أستطع أن أفتدي به من الموت إذ نزل بي ويروى في الإسرائيليات أن عيسى عليه الصلاة والسلام بينما هو في سياحته إذ مر بجمجمة نخرة فسأل الله أن تتكلم فأنطقها الله له فقالت : يا نبي الله : أنا بلوان بن حفص ملك اليمن عشت ألف سنة ورزقت ألف ولد وافتضضت ألف بكر وهزمت ألف جيش وفتحت ألف مدينة فما كان كل ذلك إلا كحلم النائم فمن سمع قصتي فلا يغتر بالدنيا . فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام بكاء شديداً حتى غشي عليه . ووجد مكتوب على قصر قد خربت أركانه وبادت أهله وأظلمت نواحيه هذه الأبيات : [ من البسيط ] هذي منازل أقوام عهدتهم * يوفون بالعهد مذ كانوا وبالذمم تبكي عليهم ديار كان يطربها * ترنم المجد بين الجود والكرم وقيل في المعنى : [ من البسيط ] بالله ربك كم قصرا مررت به * قد كان أعمر باللذات والطرب نادى غراب المنايا في جوانبه * وصاح من بعده بالويل والحرب وفيه : [ من الخفيف ] أيها الرافع البناء رويداً * لا يرد المنون عنك البناء وحكي أن رجلين تنازعا في أرض فأنطق الله تعالى لبنة من جدار تلك الأرض فقالت : إني كنت ملكاً من الملوك ملكت الدنيا ألف سنة ثم صرت رميماً ألف سنة ثم أخذني خزاف وعملني إناء فاستعملت ألف سنة حتى تكسرت وصرت تراباً فأخذني طواب وعملني لبناً وأنا في هذا الجدار كذا وكذا سنة فلم تتنازعان في هذه الأرض وأنتم عنها زائلون وإلى غيرها منقلبون والله سبحانه وتعالى أعلم . وروي أن ملكاً بنى قصراً وقال : انظروا إن كان فيه عيب فأصلحوه فقال رجل : أرى فيه عيبين . فقالوا له وما هما قال : يموت الملك ويخرب القصر . قال : صدقت ثم أقبل على الله وترك القصر والدنيا .